الموقف الفلسطيني
بيان

اتفاقية أوسلو، مسار التسوية، ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوطني

د
الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطينالجهة المُصدِرة
اتفاقية أوسلو، مسار التسوية، ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوطني
شعار الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين.

فراس صالح | عضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين تقدم دراسة «اتفاقية أوسلو، مسار التسوية» الصادرة عن المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات – «ملف»، إعداد الرفيق فهد سليمان، الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، قراءة نقدية لمسار سياسي امتد أكثر من ثلاثة عقود، ولا تتعامل مع اتفاق أوسلو باعتباره مجرد اتفاق تفاوضي أخفق في الوصول إلى تسوية نهائية، بل باعتباره مساراً أحدث تحولات عميقة في بنية المشروع الوطني الفلسطيني، وطبيعة النظام السياسي، والعلاقة مع الاحتلال، وأدوات النضال الوطني.

وتخلص الدراسة إلى أن أزمة أوسلو لا تعود إلى أخطاء التفاوض أو سوء إدارة العملية السياسية فحسب، وإنما ترتبط بطبيعة الاتفاق وآلياته. فقد ربط أي تقدم سياسي بموافقة إسرائيل وإرادتها، في ظل اختلال واضح في موازين القوى، وحوّل العملية السياسية إلى مسار مفتوح بلا سقف زمني واضح أو ضمانات ملزمة أو جهة تحكيمية فاعلة. وهكذا تحولت المرحلة الانتقالية التي كان يفترض أن تقود إلى الحل النهائي إلى إطار سياسي مستدام استفاد منه الاحتلال في تكريس وقائع جديدة على الأرض.

وتؤكد الدراسة أن الرهان على المفاوضات الثنائية لم يؤدِّ إلى إنهاء الاحتلال أو وقف الاستيطان أو حماية الحقوق الوطنية الفلسطينية. فقد تعاقبت جولات المفاوضات والاتصالات، من أنابوليس إلى محادثات التقريب والمفاوضات المباشرة والمباحثات الاستكشافية، وصولاً إلى جولة جون كيري، من دون تحقيق نتيجة تفتح الطريق أمام إنهاء الاحتلال. أما على المستوى الوطني، فكانت حصيلة أوسلو شديدة السلبية؛ إذ ساهم المسار في تعميق التجزئة بين الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس والداخل والشتات، وتهميش قضايا أساسية، وفي مقدمتها قضية اللاجئين والنازحين، التي أُحيلت إلى مفاوضات مؤجلة لم تصل إلى نتيجة، بما انعكس سلباً على أوضاع اللاجئين وقدرتهم على الدفاع عن حقوقهم، وفي مقدمتها حق العودة.

وعلى الأرض، لم يؤدِّ الاتفاق إلى وقف الاستيطان، بل وفر لإسرائيل الوقت والغطاء السياسي لتوسيع مشروعها الاستيطاني، ومواصلة مصادرة الأراضي وشق الطرق الالتفافية وعزل المدن والقرى الفلسطينية. كما استُخدمت المرحلة الانتقالية لتكريس السيطرة على القدس وتسريع تهويدها، من خلال مصادرة الأراضي وسحب الهويات ومحاصرة المؤسسات الفلسطينية وفصل المدينة عن امتدادها الطبيعي في الضفة الغربية.

وعلى المستوى الأمني، لم يحقق أوسلو الأمن للفلسطينيين، إذ استمرت الاعتقالات والاغتيالات والاجتياحات والحصار والإغلاقات، مع بقاء السيطرة الإسرائيلية الفعلية على الأرض والموارد والمعابر والحدود. وفي المقابل، نشأت منظومة أمنية فلسطينية ارتبطت بالوفاء بالتزامات أوسلو، ما أثار نقاشاً واسعاً حول وظيفتها وعلاقتها بأولويات النضال الوطني.

وفي المجال الاقتصادي، تعزز الاعتماد على إيرادات المقاصة والمساعدات الخارجية، وربط بروتوكول باريس الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي، بما أدى إلى تعميق التبعية وتراجع القطاعات الإنتاجية وارتفاع البطالة والفقر. وترى الدراسة أن أوسلو أحدث كذلك تحولاً عميقاً في بنية النظام السياسي الفلسطيني، تمثل في تراجع دور منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الإطار الجامع للشعب الفلسطيني، مقابل صعود مؤسسات السلطة الفلسطينية.

وأسهم ذلك، إلى جانب الانقسام والخلافات السياسية، في إضعاف تقاليد الشراكة والتوافق الوطني، وتعميق أزمات التمثيل والمرجعيات وصنع القرار. غير أن الدراسة لا تتوقف عند تشخيص حصيلة أوسلو، بل تنتقل إلى السؤال الأهم: كيف يمكن الخروج من المأزق وإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني؟ في هذا السياق، تؤكد أن تجاوز أوسلو لا يعني العودة إلى ما قبل عام 1993، بل الانتقال إلى مرحلة سياسية جديدة تستفيد من دروس التجربة، وتعيد بناء المشروع الوطني على قاعدة عناصر القوة والصمود، والحقوق غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967.

وتطرح الدراسة استراتيجية بديلة تقوم على ركائز مترابطة، في مقدمتها استعادة الوحدة الداخلية على أساس الشراكة والتعددية والديمقراطية، وتقريب السياسة من المجتمع بدل اختزال الوحدة في المحاصصة الفصائلية. وترى أن الانتخابات تمثل الخيار الأساسي لتجديد الشرعية، مع اللجوء إلى التوافق الوطني عند تعذرها، على أن يسبق الحوار الوطني الانتخابات.

كما تضع الدراسة المقاومة الشعبية الشاملة في مقدمة النشاط الوطني، باعتبارها محوراً تُبنى عليه المواقف السياسية، بالتوازي مع إعادة صياغة العلاقة مع السلطة الفلسطينية بما يحافظ عليها في مواجهة الاحتلال، ويمنع تحولها إلى إدارات محلية خاضعة لقراره. وتحتل غزة موقعاً مركزياً في الاستراتيجية المقترحة، من خلال إنقاذ القطاع وإعادة الحياة المجتمعية والمدنية إليه، وإعادته قاعدة أساسية للنضال الوطني، بالتوازي مع مواصلة ملاحقة إسرائيل ومقاضاتها دولياً، وتثبيت الحقوق الفلسطينية بالمقاومة والصمود، وعدم الاكتفاء بالاعترافات الدبلوماسية.

وفي الضفة الغربية والقدس، تدعو الدراسة إلى الدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان والتهويد، وتطوير أشكال المواجهة الشعبية ضد مصادرة الأرض والترحيل، بالتوازي مع الدفاع عن حق عودة اللاجئين ووكالة الأونروا وولايتها وتقديماتها. كما تقترح صيغة «التشبيك» لبناء أشكال من التعاون بين القوى والفعاليات حول عناوين وطنية مشتركة، إلى أن تتوفر شروط استراتيجية وطنية موحدة.

وفي المستوى المؤسساتي، تدعو الدراسة إلى إعادة بناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية، وإعادة تحديد أدوار مؤسسات الحركة الوطنية ضمن رؤية شاملة، وتقترح حلاً انتقالياً يتمثل في تشكيل حكومة توافقية تشرف على انتخابات شاملة لمؤسسات منظمة التحرير والسلطة وفق نظام التمثيل النسبي الكامل، مع التأكيد على أن الحوار الوطني يجب أن يسبق الانتخابات وأن تكون الانتخابات أداة للتجميع وبناء المؤسسات الجامعة، لا لإدارة الانقسام.

وتعيد الدراسة التأكيد على أهمية البرنامج الوطني المرحلي لعام 1974 بوصفه برنامجاً نضالياً لتوحيد أشكال الكفاح الوطني، وليس مجرد برنامج للتسوية، وترى أن رد الاعتبار إليه يساهم في استعادة الإطار السياسي الجامع للنضال الفلسطيني. وتخلص الدراسة، في جوهرها، إلى أن الخروج من أزمة أوسلو لا يكون بإدارة نتائجها أو إعادة إنتاج المفاوضات الثنائية بصيغ جديدة، وإنما بإعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية واستعادة عناصر قوتها: الوحدة الداخلية، والشرعية الديمقراطية، ومنظمة التحرير كإطار وطني جامع، والمقاومة الشعبية، والعمل السياسي والقانوني والدبلوماسي والتدويل ضمن استراتيجية تحرر وطني واحدة.

وعليه، فإن استعادة الوحدة الداخلية هي المدخل الأساسي لأي نهوض وطني حقيقي، بما يتيح إعادة بناء الحركة الوطنية على قاعدة الشراكة والتعددية والديمقراطية واستعادة زمام المبادرة في مواجهة المشروع الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي. فالرسالة النهائية للدراسة ليست مجرد إعلان فشل أوسلو، بل الدعوة إلى الانتقال من إدارة الصراع إلى إعادة بناء المشروع الوطني، ومن انتظار تسوية تفرضها موازين القوى إلى بناء قوة فلسطينية قادرة على تغيير هذه الموازين، ومن الانقسام والتجزئة إلى الوحدة والشراكة، ومن إدارة الحكم الذاتي إلى استعادة مشروع التحرر الوطني، على قاعدة الحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف: العودة، وتقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967

من الجهات الأخرى

البيانات الرسمية لكل فصيل، تحت اسمه.

عرض الكل
01
اتفاقية أوسلو، مسار التسوية، ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوطني

اتفاقية أوسلو، مسار التسوية، ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوطني

فراس صالح | عضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين تقدم دراسة «اتفاقية أوسلو، مسار التسوية» الصادرة عن المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات – «ملف»، إعداد الرفيق فهد سليمان، الأ…

الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين20 أغسطس 2026
02
محمد دويكات: الانتخابات الفلسطينية استحقاق وطني وإجراؤها في القدس معركة…

محمد دويكات: الانتخابات الفلسطينية استحقاق وطني وإجراؤها في القدس معركة…

أكد الرفيق محمـد دويكات عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، أن إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية وانتخابات المجلس الوطني يمثل استحقاقًا وطنيًا فلسطينيًا، داعيًا أبناء الش…

الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين20 أغسطس 2026
03
علي فيصل: واشنطن تمنح نتنياهو وقتاً للقتل.. والمجازر لن تُخضع الشعب…

علي فيصل: واشنطن تمنح نتنياهو وقتاً للقتل.. والمجازر لن تُخضع الشعب…

أدان الرفيق علي فيصل نائب رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، بشدة، استمرار الغطاء الأميركي والضوء الأخضر لمجلس السلام الممنوح للاحتلال الإسرائي…

الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين19 أغسطس 2026